الصفحة الرئيسية » منوعات » حقائق وأساطير حول عمليات زراعة رقائق إلكترونية في أجسادنا

حقائق وأساطير حول عمليات زراعة رقائق إلكترونية في أجسادنا

10:20 2017/08/12

(بي بي سي/ ريتشارد غراي)
لا تخلو عمليات زرع الرقائق الإلكترونية - التي توفرها بعض الشركات الآن لموظفيها - من مخاطر، لكنها ليست كتلك العمليات التي يمكن أن تتبادر إلى ذهنك.
 
لا يكاد المرء يلمح النتوء الصغير الموجود على ظهر إحدى يديّ ديف ويليامز. وللوهلة الأولى، قد لا يلحظ غالبية من يرونه ذلك الانتفاخ الذي لا يتجاوز حجمه حجم حبة الأرز، بين إبهامه وسبابته. ولا يبدو للعيان أن ثمة شيئاً غير مألوف يكمن في يد هذا الرجل سوى عندما يفتح الباب بمجرد تمرير راحة اليد أمامه.
 
تحت جلد ويليامز (33 عاماً) زُرِعت رقاقة شديدة الصغر، عبارة عن دائرة إلكترونية موضوعة داخل كبسولة زجاجية على شكل حبة دواء، وهي رقاقة تبدو أقرب في وظيفتها إلى بطاقة ائتمان تعمل باللمس، ولا يحتاج صاحبها إلى أن يُدخل كلمة سر.
 
ويعمل ويليامز مهندساً للنظم في شركة "موزيلا" للبرمجيات، وهو واحد من بين عددٍ متزايد ممن يمكن أن نُطلق عليهم اسم "المتلاعبون في صفاتهم البيولوجية باستخدام التكنولوجيا"، وهم من يختارون تعزيز قدراتهم الجسدية بوسائل تقنية متقدمة.
 
وفي حالتنا هذه، اختار ويليامز أن يزرع في يده - وبدافع الفضول - رقاقة لتحديد الهوية باستخدام موجات الراديو تُعرف علمياً باسم "آر إف آي دي".
 
وبفضل هذه الخطوة، تحول هذا الرجل فعلياً إلى بطاقة ذكية متحركة تعمل باللمس. وبوسع ويليامز من خلال تسجيل هذه البطاقة على مجموعة متنوعة من الأجهزة الإلكترونية، استخدامها لأداء وظائف بعينها مثل نقل التفاصيل الخاصة به وبرقم هاتفه وبريده الإلكتروني إلى الهاتف المحمول الخاص بأحد أصدقائه.
 
مستوى مختلف من الراحة
 
ولهذه البطاقة فوائد جمة بالنسبة لـ"ويليامز" الذي يعترف بأنه صاحب أسوأ ذاكرة في العالم. فلديه الآن - على الدوام - أداة إلكترونية تمكنه من فتح الأبواب والدخول على حاسبه الآلي المشفر، دون وجود أدنى احتمال لأن يتركها في مكانٍ ما أو ينساها في المنزل على سبيل المثال.
رقاقة إلكترونية في حجم نصف عود كبريت تقريبا Paul Hughes
رقاقة إلكترونية في حجم نصف عود كبريت تقريبا Paul Hughes
وبنظر هذا الرجل، يبدو الأمر مسلياً ولطيفاً حينما يتمكن من نقل بياناته إلى صديقٍ- كما أسلفنا سابقاً - بمجرد لمس هاتف هذه الصديق بيده.
 
وبالنسبة لمن يزرعون تلك الرقائق في أجسادهم؛ يشكل تمتعهم بذاك المستوى المختلف من الراحة والدعة عامل جذب شديدٍ يدفعهم للإقبال عليها، وهو ما يجعل عدد من يجربون هذا الأمر في ازدياد.
 
وفي العام الماضي، قالت شركة "دانجيرس ثينغس" - وهي إحدى شركات تصنيع الرقائق من هذا النوع - لشبكة "سي إن بي سي" إنها باعت أكثر من عشرة آلاف رقاقة، جنباً إلى جنب مع الأدوات والمعدات اللازمة لتثبيتها تحت الجلد.
 
ومن جهتها أعلنت شركة "ثري سكوير ماركت" - التي تعمل في مجال تصنيع آلات البيع وتتخذ من ولاية ويسكنسن الأمريكية مقراً لها - أنها تعتزم زرع رقائق إلكترونية في أيدي العاملين فيها.
 
وأوضحت الشركة أن الرقاقة - التي تبلغ قيمتها 300 دولار أمريكي - ستسمح للعاملين بالولوج من الأبواب المحمية بإجراءات أمنية، والدخول إلى أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم والمحمية بدورها بكلمات سر، بل وشراء الأطعمة من المقصف الموجود بالمكان. وحتى الآن، سجل 50 عاملاً بالفعل أسماءهم للاستفادة من هذا العرض.
 
لكن هذه الشركة ليست الوحيدة من نوعها في هذا المجال. ففي عام 2006، زرعت شركة "سيتي واتشر" - التي توفر خدمات المراقبة والاستطلاع بالفيديو ومقرها مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو الأمريكية - اثنتين من هذه الرقائق لاثنين من العاملين فيها.
صورة التقطت بالأشعة السينية لليد اليسرى للدكتور مارك غاسون تظهر مكان الرقاقة الإلكتروني Mark Gasson
صورة التقطت بالأشعة السينية لليد اليسرى للدكتور مارك غاسون تظهر مكان الرقاقة الإلكتروني Mark Gasson
وفي وقت سابق من العام الجاري، قالت شركة "إبي سنتر" لرعاية المشروعات التكنولوجية الصغيرة إنها تعتزم زرع رقائق مماثلة للعاملين لديها بالعاصمة السويدية ستوكهولم.
 
الأكثر من ذلك، أن شركة "بيو هاكس إنترناشيونال" التي تُمِدُ "ثري سكوير ماركت" بالرقائق الإلكترونية اللازمة لها، قالت إن عشرات الشركات الأخرى في مختلف أنحاء العالم، وبعضها متعددة الجنسيات، تبحث تبني خططٍ مماثلة لزرع أدوات على هذه الشاكلة للعاملين فيها.
 
ولكن الانتشار المتزايد لتلك الرقائق الإلكترونية، أدى إلى تفاقم المخاوف حيال ما يمكن أن يعنيه مثل هذا التوجه من مخاطر على الأمن والخصوصية.
 
كما أثار ذلك مشاعر قلق إزاء إمكانية استخدام تلك الرقائق اللاسلكية المزروعة في أجساد الموظفين لإبقاء أعين مديريهم عليهم ومراقبة تحركاتهم.
 
وقد حذرت المنظمات المعنية بحماية الحريات المدنية من أن عمليات الزرع الحديثة تلك قد تُستغل لانتهاك الخصوصية بطرق أخرى، غير مراقبة تحركات من يضعها تحت جلده. وقد تسلل شعورٌ بالحيرة إزاء هذا الأمر إلى نفوس الكثيرين ممن يعملون في مجال زرع تلك الرقائق.
 
تقنية ليست جديدة
 
ويقلل كيفين ووريك، أستاذ علم التوجيه الآلي بجامعة كوفنتري البريطانية، من شأن تلك المخاوف. ويقول ووريك - الذي يحمل هو نفسه رقاقة "آر إف آي دي" تحت جلد ساعده منذ عام 1998، ما جعله من بين أول من زُرِعت لهم هذه الرقاقة جراحياً في العالم - إن من اليسير للغاية الحصول على هذا النوع من المعلومات عن أي شخص دون زرع شرائح إلكترونية في جسده.
 
وعادةً ترتبط تقنية "تحديد الهوية باستخدام موجات الراديو" بالبضائع المشحونة من مكانٍ إلى آخر، والأمتعة التي تُنقل على متن الطائرات، وكذلك المنتجات التي تُوضع على أرفف المتاجر.
 
وتُستخدم هذه التقنية لوضع شرائح إلكترونية للحيوانات الأليفة، لتمكين أصحابها من تتبعها. ويحمل الكثير منّا بطاقات وأجهزة تعمل بتلك التقنية في محافظنا ليلاً ونهاراً.
مجموعة من زوار مهرجان ول الأجهزة المتطورة القابلة للارتداء Getty Images
مجموعة من زوار مهرجان ول الأجهزة المتطورة القابلة للارتداء Getty Images
فغالبية الهواتف الحديثة مزودة بتقنية "آر إف آي دي"، وكذلك البطاقات التي تعمل باللمس، بجانب جوازات السفر الإلكترونية، والبطاقات المدفوعة مسبقاً التي تُستخدم لاستعمال وسائل النقل والمواصلات بداخل المدن.
 
ولذا لا يشكل نقل تلك التقنية من جيوبنا لتصبح تحت جلودنا قفزةً علميةً هائلةً. وبنبرة متحفظة يقول ووريك إن الأمر الأساسي هنا يتمثل في أن يصبح زرع مثل هذه الرقائق "مسألة اختيارية للجميع.. (أما) إذا قالت شركة ما إنها لن توظفك إلا إذا قبلت عملية زرع من هذا القبيل، فعندئذ سيثير الأمر قضايا أخلاقية".
 
ولكن يجدر بنا أن نتذكر هنا أن كلنا تقريباً يحمل على الدوام جهازاً واحداً على الأقل من هذا الطراز أو ذاك، يرسل معلوماتٍ عن تحركاتنا وسلوكياتنا اليومية إلى شركات مثل "غوغل" و"آبل" و"فيسبوك"، بقدرٍ يفوق تلك المعلومات التي يمكن لرقاقة "آر إف آي دي" إرسالها عنّا في أي وقت من الأوقات.
 
وبنظر بافيل روتر، المتخصص في الهندسة الطبية الحيوية في جامعة "آيه جي إتش" للعلوم والتكنولوجيا في مدينة كراكوف البولندية؛ تشكل الهواتف المحمولة "خطراً أكبر على خصوصيتنا، فبالإمكان تحويلها إلى جاسوس مثالي إذا جرى اختراقها والسيطرة عليها، وذلك نظراً لما تضمه من ميكروفونات وكاميرات ونظامٍ لتحديد المواقع بواسطة الأقمار الصناعية جي بي إس. وبالمقارنة (بخطرها هذا) يبدو الخطر الذي تشكله تقنية 'آر إف آي دي' على الخصوصية محدوداً بحق.
 
أما دايف ويليامز فلا يشعر بالقلق إزاء مخاوف من قبيل خضوعه للمراقبة بواسطة تتبع الرقاقة المزروعة في ظهر يده، إذ يقول إن هذه الرقاقة لا تُنشّط سوى عندما توضع على بعد سنتيمترات قليلة من أجهزة المسح الضوئي التي تقرأ إليكترونياً ما هو محفوظٌ عليها من بيانات.
 
ويعتبر ويليامز أن المخاوف من اقتفاء أثره بتقنية "جي بي إس" ليست سوى "خيال علمي" محض في هذه المرحلة. كما حرص الرجل على تأكيد أن الجراحة التي يجري من خلالها زرع مثل هذه الأدوات التكنولوجية ليست مروعة بالقدر الذي قد يتصوره البعض.
 
فقد زرع ويليامز الرقاقة بنفسه، مُستخدماً كمية كبيرة من اليود للحفاظ على كل شيء معقماً. ويصف العملية كلها بالقول: "لم يكن هناك ألمٌ تقريباً". ورغم أنه يقر بأن نزع هذه الشريحة من مكانها سيكون أكثر صعوبة قليلاً، فإنه يشير إلى أن "المهمة لن تكون مستحيلة" إذا ما استخدم المرء المبضع وزوجين من الملاقيط فيها.
شخص يدخل من باب مغلق من خلال رقاقة إلكترونية في يده Adam Berry/Getty Images
شخص يدخل من باب مغلق من خلال رقاقة إلكترونية في يده Adam Berry/Getty Images
لكن تبديد المخاوف الخاصة بأمن مثل هذه الرقائق وإمكانية حدوث اختراق إلكتروني لها، لا يبدو بسهولة إجراء عملية زرعها.
 
فعلى الرغم من أن كل رقاقة لا تحمل سوى كيلوبايت واحد من البيانات أو نحو ذلك فإن مارك غاسون وهو أحد الباحثين في كلية هندسة النظم بجامعة ريدينغ البريطانية أثبت أن تلك الرقائق عرضة لهجمات إلكترونية تستخدم برامج خبيثة.
 
فقد زُرِعتْ رقاقة إلكترونية في اليد اليسرى لـ"غاسون" عام 2009، ثم أدخل عليها تعديلاتٍ في العام التالي لذلك لكي يتسنى لها نقل أحد فيروسات الكمبيوتر.
 
وتضمنت التجربة التي أجراها غاسون في هذا الصدد تحميل عنوان موقع إنترنت على جهاز الكمبيوتر المتصل بجهاز الماسح الضوئي الذي ترتبط به الرقاقة، وهو ما يجعلها تُحمِّل بعض البرمجيات الضارة إذا كانت متصلةً بالإنترنت.
 
ويقول غاسون إن هذه التجربة انطوت على "اختراق وانتهاك" على نحوٍ مثير للدهشة بحق، موضحاً بالقول: "لقد أصبحت خطراً على الأنظمة الموجودة في المبنى".
رقاقة إلكترونية في حجم نصف عود كبريت تقريبا Paul Hughes
رقاقة إلكترونية في حجم نصف عود كبريت تقريبا Paul Hughes
المفارقة هنا أن أحد أبرز مميزات الرقائق الإلكترونية، والتي تتمثل في كونها ملازمة للمرء على الدوام فلا يمكن مثلا أن تُنسى أو تُترك في المنزل، تشكل هنا أسوأ عيوبها وتجعلها أكثر خطراً - في حالة اختراقها إلكترونياً - من بطاقات الهوية العادية التي يمكن من خلالها الدخول إلى أماكن العمل، رغم أن بالإمكان قرصنة هذا النوع الأخير من البطاقات أيضاً.
 
وهو ما يعني أن مضي الأمور على نحو خاطئ مع الرقائق الإلكترونية المزروعة تحت الجلد يجعل المرء بصدد مواجهة محنة أسوأ بكثير من تلك التي قد يعاني منها إذا ما تعرض حاسبه الآلي للاختراق على سبيل المثال.
 
وبحسب غاسون، ليس من السهل التخلص من تلك الرقائق المزروعة تحت الجلد "أو وقفها عن العمل في هذه الحالة".
 
ويضيف بالقول: "شعرت كما لو كانت هذه الرقاقة جزءاً من جسدي، لذا كان هناك شعورٌ حقيقيٌ بانعدام الحيلة عندما مضت الأمور على غير ما يرام".

 

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});