رأي- الدكتور سيف العسلي: رسالة إلى «جِـن اليمـن»!
أعترف أني قد أصابني الملل وشيء من التشاؤم بعد مخاطباتي الكثير، ولِما يزيد عن عقدين من الزمن لـ"إنس" اليمن، وبدون الحصول على استجابة تذكر.
فقررت أن أخاطب جن اليمن علّهم يسمعون ما أدعوهم إليه ويستجيبون، أو على الأقل يستجيب بعضهم لما أدعوهم إليه قبل أن ألحق بالرفيق الأعلى. متفائلاً من وصف الله تعالى للجن في كتابه العزيز، فعندما سمعوا القرآن انصرفوا إليه وسمعوا وأنصتوا ثم ولوا إلى قومهم منذرين. إنهم سمعوا عندما رفض الإنس أن يسمعوا، واستجابوا عندما رفض غيرهم، وتمسكوا بما اقتنعوا به عندما عارضهم الآخرون.
صحيح أنهم سمعوا لرسول الله وللقرآن، وأنا لست رسولاً ولا نبياً، وكلامي ليس قرآناً. ولكنهم سمعوا وأجابوا؛ لأنهم رأوا فيه الحق والعلاج إلى ما كانوا هم وغيرهم يعانونه من أزمات.
فأوضاع اليمنيين الجن منهم والإنس في أسوأ حال، ومن المفترض أن يسموا لكل من يحاول أن يدعوهم إلى مخارج من هذه الأوضاع وإلى حلول لهذا الأزمات. على الأقل فإني كنت أتوقع ـ وما زلت ـ من الجن بعد أن رفض الإنسان مناقشة ما أعرضه عليهم من أفكار وتصورات. فليس بعد محمد (صلى الله عليه وسلم) رسول ولا نبي، وليس بعد القرآن كتاب.. ولكنّ عباداً من عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً ليأمروا بالقسط والعدل، وأرجو اللهَ أن يجعلني منهم، فإنني أطمع أن أكون من الداعين بالقرآن لجن اليمن علّهم يسمعون.
المقصود هنا بإنس اليمن، النخب السياسية التي تربعت على المسرح السياسي طيلة العقود الماضية، والتي فشلت في إصلاح أحوال اليمنيين خلال تلك الفترة والتي ترفض التنحي والسماح لليمنيين أن يجربوا غيرها، علّها تكون قادرة على إخراج اليمن من المستنقع الذي قادوه إليه.
والمقصود بجن اليمن، هم الذين هُمِّشوا في الماضي ومُنِعوا في الحاضر من المشاركة في صنع يمن أفضل. هؤلاء هم من ظلوا خارج النخب السياسية سواءً أكانوا منتسبين للأحزاب والتوجهات السياسية أم لا.. فما يجمع بين هؤلاء هو أنهم لم يسمع لهم ولم يسمح لهم بطرح ما لديهم من رؤى وتصورات، وأجبروا على أن يظلوا في الخلفية.
وقد أطلقت على هؤلاء لفظ الجن من باب الاستعارة.. فلفظ الجن واستحقاقاته في اللغة العربية تطلق على معانٍ متعددة، وليست كلها سلبية. فأكثر هذه المعني انتشاراً هو الستر، يُقال: جنّ الشيء يجنه جناً؛ أي ستره.. وكل شيء سُتر عنك فقد جن عنك. وجنه الليل يجنه جناً، وجن عليه يجنه أي ستره. واستجن فلان إذا استتر بشيء، وجن الميت إذا قبر، أي إذا ستر. والجنان القلب لاستتاره في الصدر. والجن ولد الجان أي في مقبل الإنس أي ولد الإنسان. وسموا كذلك لاجتنانهم عن الأبصار لأنهم سجنوا من الناس فلا يُرون. وجنان الجبال الذين يأمرون بالفساد من شياطين الإنس والجن. وفي الحديث "اللهم إني أعوذ بك من جنون العمل" أي من الإعجاب به. والجنين الولد ما دام في بطن أمه.
لذلك، فإن أوجه هذه الرسالة إلى هؤلاء، وخصوصاً الشباب والمنتمين منهم إلى قواعد الأحزاب التي شاخت وبشيخوخة قيادتها التي تجاهلت وهمشت وسترت الكفاءة والقدرات من قواعدها، فلم تسمح لهم بأن يكون لهم أي دور، فتعاملت معهم كالجن. فهي لا تسمع منهم كأنهم جن، ولا تراهم كأنهم جن، ولا تسمح بالاتصال بالآخيرين لأنهم جن. ولكن في المقابل عندما يتعلق الأمر بالمهام والواجبات فهم ليسوا جناً. إذ أن عليهم أن يقبلوا بكل ما تقوله وينفذوا كل ما تأمر به القيادة. في حال النجاح فهؤلاء يُنظر إليهم كأنهم جن فلا يشكرون ولا يرقون بل حتى لا يذكرون. وفي حال الفشل فإن القيادة تحمّلهم كامل المسئولية على ذلك.
فلتعذرني هذه القواعد الشريفة والوطنية، والتي أعول عليها ويعول عليها الوطن بأن تقوم بدور كبير في تحرير اليمن وأنفسهم من هذه القيادات التي حولتهم إلى جن. فالنقد للقياد بهذه التسمية لا للقواعد.
فعليهم أن يرفضوا التعامل معهم بأنهم جن، بل على أساس أنهم بشر مثل القيادات. أو على الأقل فيتعامل معهم على أنهم جن صالحون. فإن كان هناك من دواعٍ للتضحية والمعاناة، فليوضح الجميع وليكن الغُنْمُ بالغُرْمِ.
ليطالبوا القيادات باستشاراتهم، والسماع لأصواتهم، والأخذ بآرائهم، كما تصرف الله مع الجن الصالحين. عليهم أن يحاسبوا قياداتهم كما تحاسبهم. وعليهم أن يوقفوا مطامع ونزوات القيادات، كما تقف هي أمام تطلعاتهم وأحلامهم. عليهم أن لا يقبلوا بالشعارات البراقة مهما كانت دينية أو وطنية. عليهم أن ينشروا غسيلهم كما ينشرون هم غسيلهم. فلا يقبلوا في إخفاء كل ما يصدر عن القيادات من إثم وبشاعة وروائح كريهة من أجل المحافظة على سمعة الحزب أو الحركة. فمن يمارس ذلك يصبح عاراً على الجميع.
فإن حولت القيادات قواعدها إلى سفهاء، فعلى القواعد أن تحول القيادات إلى سفهاء. فإما أن يكون الجميع كذلك أو لا يكونون. فمن يقبل بقيادة سفيهة، فهو كذلك.. ومن يقبل أن تكون قيادته سفيهة، فهو كذلك. والقبول بغير ذلك هو استغفال لعقولهم، وتدمير لمواهبهم، واحتقار لمستوياتهم التعليمية.
عليهم أن يطالبوا قياداتهم التوقف عن وصف كل ما يصدر من القواعد مخالفاً لما يصلهم من الأوامر على أنه اتباع لهوى. فلا هوى أفضل من هوى. فاتباع الإنسان لهواه وإن كان سيئاً أفضل من اتباعه لهوى غيره.
قولوا لهم كفى.. لقد جربناكم بما فيه الكفاية، فقدتونا إلى مربعات الفشل والعار والتدمير. فما حصدنا من ولائنا لكم إلا الإهانات والمتاعب والسمعة السيئة والفشل والإحباط والقتل البدني والنفسي. وبالتالي فإنها لا تزيدهم إلا رَهَقَاً، من اتباعه لهوى غيره. توقفوا عن ترديد ما تعتبرونه تربية حزبية وهو لا يعدو أن يكون شططاً في حق الله وحق الوطن. فأنتم لا تسعون إلى إعلاء كلمة الله أو الوطن، بل تسعون إلى إعلاء كلمتكم مهما كانت.
فالله لم يأمرنا بالطاعة العمياء، بل جعل ذلك طاغوتاً وشركاً به أمرنا بالقرآن أن نجتنبه. الله لم يأمر بالسرية؛ لأن السرية من الشيطان. الله لم يأمر بظلم الناس وقتلهم لأنهم مخالفون لنا، فمن يشرك بالله فهذا حقه وسيعاقبه الله يوم القيامة. الله لم يجعلنا مسئولين عن أخطاء الآخرين وإنما مسئولون عن أخطائنا فشجعتمونا على تتبع أخطاء الآخرين ونسيان أخطائكم وتبريرها مهما كانت.
فإن بررتم تصرفاتكم هذه على أنها من أجل مصلحة اليمن فأنتم تكذبون. فتاريخ هذه الأحزاب يدل، بدون ادنى شك، بأنها قد قادت اليمن إلى الهلاك. فرقت بين اليمنيين إما على أساس مذهبي أو مناطقي أو مصلحي وهي تدعي أنها تريد أن تدافع عن الوطن. فالوطن في نظرها هي القيادة وكل ما يتعارض مع مصالح القيادات فهو خيانة لله والوطن.
لقد سعيتم إلى وأد أي محاولة لبناء الدولة اليمنية لأنها لا تريد ان تكون هذه الدولة، فإن لم يقبل بقية اليمنيين بذلك فإنها تعاقبهم بمنعهم من بناء الدولة. ولان مفهومها للدولة ليس كما يفهمهم الناس فإنها ترفض كل مشاريع بناء الدولة: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13))).
وإذا خاطبوا قواعدهم أو غيرهم قالوا إنما نحن نسعى إلى بناء الدولة ومستعدون للتعاون على ذلك، ولكن إلى خلوا إلى شياطينهم، أي قياداتهم خارج اليمن، قالوا انما نحن مستهزئون.
يا قواعد الأحزاب دمروا المتاريس التي وضعت بينكم وبين قيادتكم، وناقشوهم بما ترون، ولا تقبلوا منهم اي تبرير غير واقعي. ارفضوا السرية لأنها هي حاضن شياطين الإنس والجن. وقننوا العلاقات بينكم وبين المستويات التنظيمية، ولتكن هذه المستويات نابعة من الوظائف لا من القداسة. طالبوا بتطبيق القانون واللوائح حتى تلك اللوائح التي أقرتها القيادات ولم تؤمن بها ولا ترغب في تطبيقها.
اثبتوا لهم أنهم هم الجن وليس انتم. هم الجن لأنهم لم يعملوا شيئاً. هم الجن لأنهم لا يعملون في الدواء. هم الجن لأنهم لا يثقون حتى بقواعدهم. هم الجن لأنهم لا ماضي يفتخرون به ولا حاضر مفيد منشغلون به ولا مستقبل لهم. فقد ملئت الأرض شهبا تطاردهم بسبب حروبهم وتآمرهم وتنكرهم لأنفسهم وقواعدهم ووطنهم.
قولوا لهم: لقد كذبتم كثيراً، وعدتم كثيراً، فاختلفتم كثيراً وضللتم كثيراً، وأخذتم دوركم ودور غيركم. فقط تنحوا عن المسرح ودعونا نجرب حظنا. فأنتم قد انتهى عمركم الافتراضي، فلا حاضر ولا مستقبل لكم. فمن أسلم منهم، فأولئك تحروا رشداً، ومن لم يسلم أي ظل يكابر أي كان من المقسطين، أي الظالمون، فأولئك كانوا لجهنم حطباً.
فان رفضوا ذلك، فاجتثوهم من طريقكم، فلا تخافوهم فإنهم فقط هياكل عظمية لا حول ولا قوة لها. جربوا... وسترون ذلك.
* المقال خاص لوكالة خبر
*وزير المالية الأسبق البروفيسور «سيف العسلي»
مقالات سابقة: